الأربعاء، 30 سبتمبر، 2009

free counters

قراءة نقدية لمجموعة" الآم ظهرحادة" - بقلم د. لمياء شمت


الجزء الأول

حظيت المجموعة القصصية " الآم ظهر حادة" للقاص السوداني عبد الغني كرم الله,و الصادرة عن المؤسسة العربية للدراسات و النشر- بيروت, حظيت باهتمام نقدي واضح علي المستوى المحلي والعربي.

ورغم أن "الآم ظهر حادة" قد تبدو في ظاهرها كمجموعة نصوص أو ارخبيلات منفصلة, إلا أن القارئ لا يلبث أن يتبين أنها منظومة متكاملة يتحد فيها المضمون, و يشد بينها خيط المغذى والفكرة المركزية الواحدة, التي تتوسل بلغة مشعة بالإلماح و الومضات الدلالية بدرجة تتمثل وهج الشعر و كثافته و انخطافه. فلكل مفردة وزنها المحدد في النص السردي الذي لا يحتمل بطبيعته الزوائد أو التراخي و الاستطراد.

ومن نافلة القول أن لغة السرد تقليديا لم تكد تزد عن كونها حامل ووسيلة مباشرة لتحقيق زوايا المثلث الارسطي,حيث يتنامى الحدث باطراد تجاه ذروته, و ينتهي بلحظة الكشف أو التنوير التي يكتمل بها المضمون و يتحقق بها انطباع مفرد و آثر واحد. و بالتالي , وكما أسلفنا, فان اللغة تستخدم بالأساس كخام تشكل منه الشخصيات و تصاغ منه المواقف و الأحداث.

أما حديثا وبعد أن تحررت النصوص السردية من الفروض الشكلية و العوائق التقليدية, و أوغلت في التجريب ,فقد أصبح كل نص تجربة جديدة و بصمة خاصة في تقنيات السرد و الاجتراحات الفنية و الجمالية, بل والمحمولات النفسية و الوجدانية. وليصبح بالتالي للغة حساسية فائقة في سرد المادة القصصية, بل أنها تصبح أحيانا كثيرة ابرز عناصر المتن السردي. و لعل الكثير من القراءات النقدية قد توقفت مليا عند خاصية الاشتغال الجمالي المركز على النصوص ,مما جعل اللغة تقارب أن تصبح مادة القص و غايته معا. و يبدو ذلك صحيحا إلى حد كبير إذا ما تأملنا لغة مجموعة" الآم ظهر حادة" , التي تبرز فيها سمات عدة, نذكر منها:
* كثافة الإحالات و انفتاحها على احتمالات تأويلية متعددة. و يظهر ذلك في مقدرة الكاتب على استخدام التناص التحتي العميق لأقصى طاقاته الدلالية.
* حضور الرمزية كاستجابة إبداعية و توظيف سعة الرمز و مقدرته على حمل عبء الدلالات المكتنزة بالأفكار و الأسئلة.و يتم ذلك بتركيبة رمزية متوازنة تلوح بالمعنى الموارب و لا تجنح به للإغماض.
* الهجانة اللغوية الطريفة الناتجة عن استلهام المنبع الصوفي و المثلوجي و الفلكلوري الشعبي. حيث يفلح القاص كثيرا في نسج أمشاج الخيالي و الصوفي والفلسفي بأبعادها الرؤيوية لخلق حكايا غرائبية الأجواء, لكنها تبدو في ذات الوقت مألوفة و حميمة,إذ يقودنا فيها القاص بتأمل متمهل إلى طبقة من الرؤية اكثر عمقا , دون أن يوهن ذلك تلقائية السرد, وانسكاب اللغة.
* تخفف اللغة من لزوجة الطلاء الزخرفي و الإطناب البلاغي و الدثارات المجازية المتكلفة. و هنا أيضا يبدع القاص في طرح أفكار و رؤى مختلفة ذات أبعاد تأملية و فلسفية تتفرس في التجربة الإنسانية و ترصدها بدقة, بلغة هادئة أليفة و شديدة العفوية.
* الانفتاح على اليومي و العادي, ببساطة محببة تراهن على الاحتفاظ بالتفاصيل الصغيرة طرية و طازجة و حارة بروح الحياة اليومية التي تبث دفئها في مفاصل الكتابة.
.
*إعلاء البعد التأملي و الفلسفي في بعض النصوص, حيث تستسلم اللغة لغواية الخيال المجنح الممتلئ بطاقة الحلم و الجنوح,الذي يصعد الواقعي إلى مرتبة الغرائبي و الفنتازي, بسلم متداني الدرج يصعد بنا بترفق و تؤدة إلى معارج الخيال.
وفي منحى آخر, نحتاج أولا أن نعود لنؤكد على إن القصة القصيرة فن صعب رغم مظهره الودود, فهو يواجه تحدي اختزال عالم بآسره ليتضام في بضع صفحات معدودة.و لعل ذلك ما جعل هذا الجنس السردي إنجاز تكنيكي بارع ,يحتاج إلى معمار فني محكم و متساوق .
وعلى الرغم من أن الآم ظهر يصعب جدا تصنيفها أدبيا وفق المواضعات السردية المعروفة, كونها عصية على التأطير الشكلي, و غير خاضعة لقوالبه الجاهزة و شروطه المسبقة.فالأحداث مثلا في غالبية نصوص المجموعة تتخلق من فكرة فلسفية أو وجودية ينطلق منها النص ليؤسس نوعا من إعادة النظر في الإنسان و حقيقته. ومن هذه النقطة يراكم القاص الدوائر والخطوط , لينفذ من ثقب صغير إلى نصه الواسع حيث يتنامى السرد دافقا, مزدحما بالأفكار و الأسئلة التي يجهد القاص في أن لا يربك بها مجرى السرد ,الذي يتخذ في معظم النصوص مسارا سرديا دائريا, يبدأ من نقطة ثم يستدير مستعيدا بدايات الأحداث و تحولاتها .و كذلك, من الشائع في مجمل النصوص, أننا نتعرف على الشخصية المحورية من الجملة الأولى, حيث تحضر تلك الشخصية بضمير المتكلم كحيلة فنية يحتفظ بها القاص لنفسه بزمام السرد.و رغم التحفظ على منح صوت السارد سلطة الانفراد بالمساحة الأكبر في مجمل النصوص, إلا أن القاص قد اجتهد في استخدام هذه الذريعة الفنية للانسياب تحت جلد شخصياته و سبر أعماقها وكشف دواخلها و مكنوناتها.و من الملاحظ أن التركيز قد وقع جله على المونولوج الداخلي أو المناجاة, بينما اقتصر الحوار الخارجي على موضعين تقاسما العامية و الفصحى .وقد بدا واضحا أن استخدام الفصحى في الحوار قد قلل من قدرته على التأثير, و بالتالي أفقد الحوار قدرا من مصداقيته. على عكس حضور العامية العبقة برائحة بيئتها و النابضة بروح الحياة اليومية . إضافة إلى دور العامية المقدر في إحكام النسيج القصصي و تماسك بنائه الداخلي , وإسباغ المصداقية على الشخوص و الأحداث.
و يقودنا ذلك تلقائيا إلى بعدي الزمان والمكان, لنلاحظ أن عنصر الزمن يخضع بشكل كبير لمنطق الأقصوصة , تهندسه التقنيات السينمائية مثل الفلاش باك, و القطع و المونتاج لتثبيت اللحظة المعينة لابراز البؤر النصية الحساسة.أما المكان و رغم انه قد يبدو كحيز جغرافي محدود,إلا انه يتسع معنويا ليصبح فلكا شاملا.نحس فيه بحضور المكان الريفي القروي اكثر منه مكان مديني حضري. و رغم تبرم الأدب عموما بصلف المدينة و ضجرها و قيمها الزائفة ومبادئها المعطلة, إلا أن كرم الله يفلح كثيرا في تجنب الوقوع في فخ الثنائيات الضدية, و الصورة الرومانسية الساذجة للتقابل المنمط بين صورة المدينة و القرية.
و على مستوى الشخوص, لا يسعنا إلا أن نقف عند انتباهة الأستاذ صديق محيسى الواعية في رزنامة أستاذ كمال الجزولي,صحيفة الرأي العام, بتاريخ 10/4/2007, حيث يقول( رؤية كرم الله السردية للأشياء و الكائنات تعد تحولا مهما, إذ أننا لا نجد لها شبيها عدا ما ذهب إليه بشرى الفاضل من خلق شخوص موازية للبشر). وكنت قد أشرت في دراسة نقدية سابقة إلى أن سرديات بشرى الفاضل هي بالأساس قصص استبطان و تفلسف اكثر منها قصص أحداث و شخوص. و كرم الله في محاولته الإبحار إلى أفق مغاير يقترب كثيرا من تلك التخوم, و يشاكل العوالم البشروية بفلسفتها الطوباوية التي تحتفي بكل المخلوقات. حيث, و بكلمات الأستاذ محمد الربيع في الوطن القطرية:( يعيد السرد الاعتبار إلى جذوة الأشياء و للتفاصيل و يخرجها من عزلتها في الكون).
فمثلا يذكرنا"حمار الواعظ" بحمار آخر في مجموعة بشرى الفاضل "ازرق اليمامة" , يقاسمه التظلم من جحود الإنسان و قسوته, فيكون انتحاره غرقا بمثابة احتجاج جهير ضد رهق العالم.
و كل هذا لا يتقاطع مع حقيقة أن كرم الله قد تمكن باقتدار , و من تجربته الأولى, أن يرسخ فرادته كقاص استطاع ابتداع أسلوبه و حكائيته الخاصة الشغوفة باكتناه السؤال الكوني الأبدي. و قبل الانتقال إلى محور آخر, لابد لي أن اقف مليا عند الدمج الخلاق بين الواقعي و الخيالي و الفلسفي في نص " رائحة الطمي" , حيث الجدة في أن الأحداث و المواقف ترسمها الرائحة.حيث تحلق بنا تلك الحاسة في فضاء تخيلي واسع. ما يستدعي للذهن رواية "العطر", للألماني باتريك زوسكند و التي تحلل الطبيعة البشرية عبر بصمات الروائح.
و لنجمع خيوط ما ذهبنا إليه, يمكننا القول بان الحبكة رغم كونها قد تبدو رخوة, حسب المواضعات السردية, و أن الشخوص وفق ملاحظة حامد بخيت الشريف في السوداني "غالبا ما تتوقف عن التطور لمصلحة السرد", إلا أن القاص قد عمل على تعويض عن ذلك بعنايته الجمة بالتفاصيل, و دقة و براعة الوصف, و الخيال الطفولي المدهش الذي لا يرضى بأقل من أن يتلمس الأشياء و يتذوقها و يتشممها, بل و يفككها و يعيد تركيبها كما يشاء.ليمنح كائناته وجودا مبتكرا و حضورا أليفا , تبدو معه منخرطة في واقعها ,مستوية في مصائرها بادق تفاصيل الوصف والتصوير.و لابد لنا أن نقف هنا على رأي بشرى الفاضل في عموده تضاريس بتاريخ13/1/07
(ميزة كرم الله الأساسية تكمن في هذه العدسة المكبرة في مخيلته , التي تقترب من الكائنات و الأشياء راصدة لها بدقة متناهية).
و نعود مرة أخرى إلى إشكالية تصنيف الآم ظهر يعيننا رأي أستاذنا فضيلي جماع في الصحافة بتاريخ 1/8 عن لعبة التجريب السردية حيث تبدو نصوص كرم الله( اقرب إلى الخواطر وتداعيات الكتابة في لحظة تحرر من قيود الشكل و النمط).
ويستدرجنا ذلك لالقاء الضؤ على بعض المحمولات الفكرية و الفلسفية التي تشع و تتلامح بين ثنايا النصوص. و لعل أبرزها النفس الصوفي الذي يفعم أجواء النصوص بعبقه الخاص. و الفلسفة المتعالية(الترانسيندتالية) بثقلها الفكري كرؤية رومانسية طوباوية للعالم تمجد كرامة و حرمة الكائنات و حقها في الحياة. و تشمئز من السجن المادي و المعنوي الذي يرزح فيه الإنسان. فنحس و نحن نطالع النصوص بروح امرسون بميوله الروحية العميقة.و بمعاناة ثورو الذي اعتزل عالم اللهاث المادي , ليعيش مع المخلوقات الصديقة في كنف الطبيعة, في قلب الغابة في خلوة تأملية دامت لسنوات.و بحس والت وايتمان الذي اجمع نقاده على انه يتحد مع كل شئ, و لا يكف عن معانقة الاحياء و الموجودات من حوله. وبحضور استيفانز بإبداعه الرؤيوي و مقولته الرصينة: ( عليك أن تتمتع بطاقات غير عادية لتتمكن من رؤية العادي).و لا يسعني أن اختتم دون المرور بموباسان و رسالته الخطيرة لصديقه موريس فوكير بتاريخ 17 يوليو 1885 ,حيث يقول (إن الكاتب الذي يبهرني حقا هو من يحدثني عن حصاة أو جذع أو فأر أو مقعد قديم ). و ختاما فان الآم ظهر حادة قد قالت كلمتها, و أسلفت لنا يدها إبداعها,في محاولة للقبض على جوهر الرؤية الكلية النافذة, و طرح الرؤى و الأفكار, و التحليل و التفلسف, بمخيلة حكائية خصبة, و بأسلوبية مطمئنة,على صهوة لغة استطاعت أن تحافظ, عبر النصوص, على طاقة انسها و جماليتها و عفويتها وانسيابية دفقها.

الآم ظهر حادة -وأستعادة المخلوقات من أطمار الإهمال و النسيان و العزلة- بقلم د. لمياء شمت

نبدأ من غلاف المجموعة حيث تمكن كرم الله من قطف متعتين برمية واحدة, إذ يتزين الغلاف بلوحة لبول غوغان تنتمي إلى المرحلة الواقعية التاهيتية, وهي لمليحة سمراء تحت ظلال جذوع المانجو الباذخة, حيث الإبداع الغوغاني الفذ و السمرة والأجواء الاستوائية وثيقة الصلة بعوالم " الآم ظهر". اما على أعتاب النصوص السردية فمن اللافت أن العناوين تعقبها دائما تصديرات تحضر كمفاتيح دلالية و كتلويح استهلالي يضيء النصوص و يعين على مقاربة معانيها و ملامسة روحها.

و كما أسلفت في دراسة سابقة فان "الآم ظهر حادة"هي اقرب ما تكون إلى سرد جواني يهتم بالمشاعر و الوجدانات و العمق النفسي, اكثر منه حبكة وأحداث و منعطفات سردية و شبكات علاقات. فالقاص لا يكاد يكف عن التوحد مع المخلوقات متجاوزا ظاهرها إلى جوهرها, و منحازا لضعفها و جاهدا لاستعادتها من أطمار الإهمال و النسيان و العزلة, بنزوع ملح لتحويل الهامش إلى متن بطاقة إشارية خلاقة.

و تماما كما أن شاعر فرنسي كان قد تمنى لقصائده معان بعدد قرائها, فان هذه الورقة المختصرة لا تعدو أن تكون مجرد محاولة للقراءة.

الآم ظهر حادة

"الآم ظهر حادة ", وهي أول و أطول قصص المجموعة.والنص ذو مسار سردي أفقي يمتد خطيا بين أحداث شتى. و صوته السردي يمثله حذاء رجالي, يتقلب بين أرجل البشر ذوي النوازع المتناقضة, فيحتله جاثوم الكآبة و هو يسعى بين أقذار الحفر والبرك, وصهد الشمس ,و عفن الرطوبة. لكنه لا يكف في محنته عن مراقبة الكائن الآدمي السادر في غيه, و المنفلت تماما عن عقاله , وهو يهدر في عبثه الضار الحيوات من حوله دون أن تهتز له جارحة.فيتفجع الحذاء -المفعول به- الذي لا يكاد يملك من أمره شئ تنتعله و تقوده الأرجل الخواء, " قتلت برعم شجرة صغير, قد يملأ عبيره الشارع غدا, و يصبح شجرة ضخمة تصبح مأوى للعجزة و الشحادين". و مرة بعد مرة تتكرر المأساة ," ثم سرنا لينحرف فجأة فيدوس صرصورا هائما, كان سعيدا هو متجه لجحره حاملا على رأسه قوت أسبوع لعياله" ,و نرى النملة المدهوسة بالحذاء وهي تحتضر, " ثم خطا نحو موقف أبو جنزير, فاختلط جثمان النملة بقطعة ثلج ملقاة, فانتعشت روحها المظلومة في أول درج البرزخ".و يظل الحذاء يراقب البشر بروح أسيفة وبعين تحليلية نافذة و حس فلسفي مرهق بحزنه النبيل عبر أسئلة كاشفة تضئ دلالة النص و مغذاه " لم تقم الحياة على الصراع,على قهر كائن لكائن؟!" ,ليقودنا ذلك إلى لحظة الكشف النصية حيث الإنسان ليس إلا حذاء اكبر تمتطيه و تنتعله من القسريات و الاكراهات و الانكسارات ما ليس له به قبل.

و من اللافت في هذا النص السردي استخدام عنصري الزمان و المكان كوسيلة للإفضاء بالرؤى و الأفكار وعكس الخلفيات النفسية و الشعورية. فعلى سبيل المثال يجنح النص إلى قتامة السياق الميلودرامي و خفوت الايقاع لتصوير حالة العجز و المرض للجسد المنهك و الروح المبتلية بالسقم كصورة للارتكاس و الهزيمة. بينما يميل للمرح و الخفة بتسخير الوصف البارع ( كانت الأرجل تسير بوداعة و بطء, و كأن المشي غاية في ذاته, لم تكن تمشي, بل كانت تعزف على طبل الأرض إيقاعا دافئا و كأنه طرق مطر خفيف على مظلة موسيقي مسن). و كذلك مما يجدر ملاحظته توظيف طاقة الرمز لخلق نص متماور متعدد السطوح, و من ذلك استخدام تيمة ( الوتد) بكل طبقاتها الدلالية, و ظلالها و توتراتها في وعي القارئ, ليؤسس بذلك نص متماسك وذكي, قادر على طرح اعقد الرؤى ببساطة و روية.


كلبة فاطمة

و في هذا النص يكثف القاص الرؤية و يصوبها مرة أخرى تجاه الإنسان الذي يحتاج بشدة لأن تنزع قشرته الصلبة, لتسقط أقنعته فيكاشف جوهره و يستشرف حقيقته .و السارد مدثر التلميذ اليافع بمدرسة قروية, تمثل سجن ذريء تقمع فيه الطفولة و روح الاكتشاف على يد سلطة سادرة, يمثلها الناظر المترصن القاسي, الذي تأتي كلبة صغيرة عجفاء لتعريه من دثاراته و أقنعته الكاذبة.

و قد برع القاص في خلق خصوصية للإحداث و تثبيت حضور الشخصيات بحكي سلس يمتد عبر مسار أفقي صاعد ذو تزامن خاص, ترفده تقنيات التصوير السريع و الوصف الحركي غير السكوني, مما جعل للنص مناخا شديد الدينامية.و مما يميز النص كذلك تقنية المونتاج الزمني لتثبيت اللحظة و تحويلها إلى صورة فوتوغرافية, تقتنص اللحظة و تسرمدها_ كما في مشهد السوق- و كذلك الوصف الطبوغرافي للمدرسة الذي يعطي اقتراحات للنظر من زوايا مختلفة,كأن يستشرف المنظر من عل .
و يأتي هذا النص كواحد من النصوص التي تمثل فيها عين السارد أداة مهمة للقص , عبر مراقبتها الدقيقة لتطورات الأحداث و تحولاتها.لنرى عبرها تلك اللحظة النصية المفصلية التي تطارد فيها الكلبة النحيلة ناظر المدرسة مرهوب الجانب, في و صف كاريكاتوري تظهر فيه العناية الجمة بالتفاصيل التي تمتح من خيال طفولي طري يمثله صوت مدثر الذي يتصور أن الناظر الهلوع سيركض مؤكدا كروية الأرض,عبر سرد طريف لا يآنف القاص فيه أن يعرج بنا من درج التفلسف و الاستبطان إلى براح التفكه الساخر و الكوميديا الباعثة على الضحك ,"-تسلق جبال الانديز, فذابت من أنفاسه ثلوج القمة, فسالت فائرة في حقول البن, فملأ الفقراء البراميل و الكبابي من فيضانات القهوة الحارة,و لعن أصحاب مزارع البن ثقب الأوزون".
و في نهاية النص تكسر توقعات القارئ تماما, فالناظر لا يحنق في دخيلته على الكلبة التي عرته على الملأ, بل يحمد لها أنها قادته لخلاصه- "فقد سقطت من ظهره ملايين الأقنعة و الهموم و المظاهر الكاذبة التي كان يتصنعها لمجاراة رأي عام صارم و متحجر".

حمار الواعظ

و يتناول النص موضوعا يحتل موقعا حساسا في إطار يقع بين الدين كقيمة عليا و الوعظ المجاني الذي قد يتحول أحيانا إلى مجرد وظيفة و تقاليد شكلانية خالصة لا تمس الجوهر. و من فوره يستدعى النص للذاكرة رائعة غراهام غرين(السلطة و المجد) التي عرض فيها نموذج الكاهن الفاسد الذي يمثل رجل الدين السيئ الذي يشوه ,غير عابئ, وجه دين متسامح و طيب.و الفكرة أيضا وثيقة الصلة بما تناوله هوجو في (أحدب نوتردام). غير ان كرم الله يقدم الصورة هنا بأبعاد أخرى للواعظ المحروس بأكاذيبه, ووعظه التلقيني الخطابي المفلس , الذي يكشف شبقه و جوعه للسلطة و التحكم في مصائر مستضعفي القرى و النجوع الصغيرة.
و السارد هو حمار الواعظ الذي يشفق على أذنيه " من تقريع الخطب الجوفاء, و التي تخلو من أي حدس أو ذوق", والاهم أن الخطب تلك لا تشكل أي وازع للواعظ الذي لا يرعى جوارحه, فيتلصص مختلسا النظر لمفاتن الفتيات الصغيرات, و تنطلق حنجرته في خلوته بأغان سمجة رديئة ظل يحرمها على فتيات الحي , بل و يصب جام ظلمه و استبداده و قسوته على كافة المخلوقات حتى النباتات, دون أن يستثني من ذلك حماره الصبور , الذي يهلكه الضرب و التجويع و صهد الشمس فيتعزى بأن "سيأتي يوم, تشهد كل الأشياء بما جرى لها, وستصطف معي طوابير من المظلومين الذين سحقهم الواعظ بغير ذنب, .... طوابير من الحشرات و النمل و القمل و القطط و النباتات و الجراد و أوراق الشجر و الذباب و العقارب".
و عبر توظيف مقتدر لتقنية المونولوج الداخلي, يتمكن القاص من الإمساك بالعصب المحوري للأحداث, ليصور بدقة سقطات العقل السلطوي المستقيل. ليذكرنا إدراك الحمار العميق للواقع من حوله و حلمه العزيز بالخلاص العظيم بمزرعة الحيوان لجورج اورويل,حيث تناضل الحيوانات لتطيح بالسلطة البشرية الغاشمة, و تصوغ معا نشيد ثورتها الرسمي:

ستزول الحلقات من أنوفنا ** سنرمي بالسروج من ظهورنا
وستصدأ المهاميز و الشكائم للأبد** لن تلسعنا قط السياط القاسية


رائحةا لطمي

وهو نص ذو سرد غرائبي يتميز بغلبة الفضاء الشعري على المونولوج الداخلي ,فينثال متخففا من الخضوع التقني و الأسلوبي. و السارد روح أثيرية شفيفة تسافر على سفينة الريح.وتعلو رائحة الطمي على كل رائحة بأنها لا تسافر فقط عبر الريح, و لكنها أيضا تخترق حجاب الأجساد و الجسوم لتنفذ إلى الأرواح و السرائر فتنفض عنها سخام الأسى والهموم "بدت الرئة و كأنها جدار فرن أسود, غسلت بسرعة البرق هذا الروث الروحي و أخرجته مع الزفير, ثم أخذت أتسلل عبر دمه إلى العين ووجدتها حزينة موجعة فغسلتها من شوك المناظر الفاسدة" . و النص مكتوب بحساسية خاصة و بلغة تقترب كثيرا من تخوم التجريد, مستدعيا للذهن أجواء كتابات أمريكا اللاتينية, حيث المزج الخلاق بين الواقعي و المتخيل و تداعيات اللاوعي و تراسل مدركات الحواس بنكهة كاريبية تخرج النص من طقسه الأسطوري إلى أفق الحياة اليومية.


الجزار ملك الغابة

أما السارد هنا فمعزة بروح و غيرية أم حنون ترعى السعدة على أطراف النهر بفرح غامر, لتدرها لبن سائغ لصغار الآدميين بنبل عظيم ,و ترفع رأسها مطالبة بحقها في الحياة و اعتراف الإنسان بحرمة الذوات الأخرى,و تمضي مستبشعة للبؤس و الادقاع الروحي و القسوة الآدمية,تحلم بالخلاص, تماما كحمار الواعظ , " تمنيت أن يهبني الله جناحا مرفرفا فأهرب للسكن في السماء مع الملائكة....طوبى للأغنام التي ترعى هناك , فلا يكدر صفوها ساطور أو سكين" . و عبر مراقبة المعزة للأحداث نستطيع أن نتعرف على شبكة العلاقات, و الخلفيات الاجتماعية و الظروف الحياتية لأسرة سعاد, الأنثى الكسيرة التي ترزح تحت وطأة الفقر و الحاجة.فلا تجد إلا أن تنذر معزتها لسكين الجزار لقاء حفنة مال يسبل عليها الستر و يطعم أفواه صغيرة جائعة.
و باستخدام تقنية التركيب و المونتاج يتمكن القاص من ربط وقائع مختلفة و دمجها في إطار زمني واحد بإبطاء الزمن السردي أحيانا لتسخيره كمرآة لواقع حالك, تقيم فيه المعزة مقارنة فاقعة مخزية بين بشاعات البشر ووحشيتهم, وبين إنسانية السوام " التي لا تسرف و لا تتكبر ولا تكذب ولا تتزيا بغير جلودها". ليسطع أخيرا المغذي الذي ظل مبثوثا في سماء السرد عبر النصوص, وبخلاصة مطابقة لما أدركه الحذاء في النص الأول, تيقن المعزة بأن البشر ليسوا بأقل ضعفا وعبودية منها , فهم أيضا ذوات مسترقة و مكبلة بعشرات الحبال و الأوتاد.

استدراج الفراشة لعرشها المجيد

وهو نص استفزازي من طراز رفيع لا يكتفي فيه القاص بان يلغز و يرمز و يؤمي, بل ينزع الغطاء مباشرة عن موضوعه باحتدام زاعق يآنف التعمية على جذريته الحاسمة.
و تسلط بؤرة الضؤ على الأنثى في متاهات القسوة الذكورية. لنرى بائعة الشاي التي تتعرض لهجمات معنوية عنيفة تجاه إنسانيتها و انثويتها, حتى ليصبح العنف المادي من ركل و سحل و امحاء هو عين الرحمة " و لقد قام الجنود بدورهم بأكمل وجه, فبأحذيتهم الضخمة كسروا في لمح البصر كل ممتلكاتها من الكبابي و الفناجين, أما الضابط, رجل المهمات الصعبة, فقد رفس بكل ما يملك من قسوة, الكانون في وجهها, فتوضأت أقدامها المتعبة بماء حار كان على مشارف أن يكون شايا أو قهوة".
و النص يفور بالأسئلة الواخزة الكاشفة التي ترفع الغطاء عن المطمور في الصمت و الانكار,حيث يتخلى القاص عن حذره في المقاربة كما أسلفنا و يطرق الموضوع مباشرة, ليفكك العنف و يفضحه و يفرغه من مبرراته, محتالا, في بعض الأحيان على سلطة التابو بانتخاب مفردات ذات طاقة دلالية و إشارية عالية "أما الضابط...فقد ركلها في رحمها, مصدر رزقها المبارك, فتكسرت أضلع و أرفف دكانها الوحيد".
و بدقة متناهية في الوصف و اعتناء جم بالجزيئات نرى الأنثى وهي تجر إلى وئدة مصير قاتم ترسمه النزوات السلطوية و الرغبات الذكورية المريضة, لتتقلب( المهيضة) بين أنياب القسوة و القهر, حتى تدركها نعمة الذهول و الحتوف الرحيمة.

الدجاجة أقوى من الأسد

وهو نص يتوغل بكامله في حقول مقولة برنارد شو " هل الإبداع إلا استدعاء متعمد للطفولة !! "
و يفلح القاص هنا في تمرير لحظات عميقة الرهافة,عبر سرد جواني البعد, يرفده خيال غض معجون بالطفولة, حتى لنحس بان هناك اكثر من خيط يمتد بين النص و بين واقع ما لمبدعه.حيث تتحرك الذاكرة صوب جذورها باستخدام آلية الاستعادة في إطار تذكر تحليلي نفسي وجداني يمثل صعودا إلى سطح الوعي ليتوج الطفولة كمحطة هامة ساهمت في تغذية وعي القاص و تكريسه كاتبا .

و يرتكز هيكل النص على تحليل الأفكار و الاتجاهات للكشف عن الأعماق النفسية والانعكاسات في وعي الطفولة ووجدانها و عرصات رؤاها, بلغة عفوية متوهجة بانفعالها الخاص, ترد الحياة إلى عريها الأول بلا أقنعة و لا دثارات أو أحكام مسبقة, حيث يبلور القاص رؤيته باستخدام مقتدر لآليات التذكر و الاستدعاء و الاسترجاع التي تمتد لتصف الفيض السمعي لنقاط الماء الساقطة من قعر الزير "إنها اضال أمطار في الكون, و بنقطة يتيمة طوال اليوم بلا رعد أو برق أو ملل, سوى ذلك الدوي الحنون, و الذي يثير في الدار الساكنة غموض كنه الوقت" .

جزيرة النمل

يمتد خيال القاص الذي يتفقد الموجودات من حوله بعناية جمة,سواء كان ذلك حذاء فاغر أو بصلة مطعونة أو حصاة منسية على قارعة الطريق بمتخيل مفتوح على إمكانيات تأويلية متعددة,ليطرح عبر هذا النص ,حيث تتزاحم الأسئلة الوجودية المقلقة على ضفاف الروح, فكرة الوحشة العميقة في وجود معضل.و السارد حصاة رهيفة حانية تلوم ذاتها " ذلك لأنني أدميت في حياتي وجه طفل يتيم, ورأس عشة المجنونة, حين قذفني الأشقياء نحوهما,بلا حول مني و لا قوة, فأيدي بني آدم هي التي ترسم مصيري " لتجعلنا ندرك من فورنا المقارنة الواخزة بين حجر إنسان و إنسان حجر, مستدعية المقابلة القرآنية بين القلوب الصم و الحجارة المتشققة لينا و رحمة. و لكأن صوت المعري المتعثر في وحشته الوجودية يمس روح النص:

ما منهم بر و لا ناسك إلا إلى نفع اليه يجذب
افضل من أفضلهم صخرة لا تظلم الناس و لا تكذب

حواس مغبرة

وباستخدام الرمز القابل لامتصاص الدلالة نتعرف هنا على الكلب فوجي الخائف الوجل حتى من انعكاس ظله على الماء, في مقاربة هادئة عميقة لروح مدثر اليافع المستعبد للآخرين بإشفاقه الجم من اهتزاز صورته في مرآتهم. مما يجعله يكاد يقارب مأساة مبدع لوحة الغلاف بول غوغان و هو ينعي هوانه و قلة حيلته ووجله من أحكام الآخر بمقولته الشهيرة التي أطلقها في أقاصي البحار الجنوبية في جزيرة دومنيكيا النائية ( انتظر هنا كفأر في برميل في وسط المحيط).

اجمل سباق

وهو نص قصير مسكوب بأقل قدر من الكلمات و اكبر قدر من الحساسية التي تجسد الطفولة الحرة المنطلقة إلى معانقة الحياة و تفقدها بعين عذراء دهشة تنفض الغبار عن المدفون تحت سطح المألوف. و بخلق فضاء حميمي خاص يستطيع القاص أن يحول النص من مجرد إطلالة على مشهد عابر لأم و طفل على الطريق, إلى لوحة صغيرة يضع لمساته بحنو عظيم على كل رقعة فيها, مما يعين على الإحساس بمبلغ العناية والبراعة التي يتفحص بها القاص أدق التفاصيل سبيلا للولوج للداخل.
"أمه لا تعير اهتماما للأشياء النفيسة التي تسبي عينيه الشاعرتين,انه مشغول بنفائس الأرض و كنوزها, حشائش و حشيرات و حصى و يرقات...غارق حتى أذنيه في انثيال الحياة أمامه".

توبيخ الحبيب

تماما كما يؤمن الناقد الفرنسي المثير للجدل راسكين بان الإبداع هو ذاك الذي يضع الروح أمام حشد من الأفكار الرفيعة التي توقظ الشعور بالعلو و التساوق و الصفاء فان سارد هذا النص و هو كتاب مهجور يتوسل لقارئه أن يلج عبره إلى عوالم بكر و فراديس متاحة و متع دانية.
كإشارة إلى طقوس القراءة كفعل إدراكي مقدس من جهة و التلقي الواعي كحبل للنجاة من جب اللاحياة " ها أنت ملك نفسك, متوجا في كينونة الزمان و المكان الداخلي, سابرا أعماقك, منصرفا عن شروخ الأفاق, تصحو بفعلي في دواخلك أبخرة مقدسة, تحوم بداخلك برقصات مخمورة و ملونة و مضيئة بالإشراق و البهاء و الارتعاش المبارك".

رقص على طبول النسيم

و باتجاه سردي وصفي غالب على طبيعة السرد , ترخي الأسلوبية الشعرية سدولها على فضاء النص, حيث يواجه السارد مشهد تصاعد الدخان المتراقص من عود بخور بعين متأملة نافذة على نحو يخرج الأشياء من مألوفها و يغلفها بالغموض والسحر " وحين استسلم البخور كليا, أطلق النسيم عنان جنونه المكبوت,عنان خيلائه بذاته, تلاعب بجسد البخور مظهرا قدرته المذهلة على الرسم و النحت و التصميم البكر, ممسكا عصاه في قيادة أوركسترا الليونة المطلقة, جوقة من السحر و المجون و الدهش". لينفرد النص بان القاص يذهب فيه للسرد بشروط الشاعر الذي يسمح لكائنه اللغوي بالتحليق الطليق في سماء النص, بشلال من الكلمات ينهمر راعشا تماما كضربات فرشاة تشكيلي يبحث عن جسر ما يصل المرئي باللامرئي.أو كما هو والت وايتمان في مفازاته المخاتلة ينشد : لحظة من عذوبة صوفية, ملامسة شيء لامرئيمكيدة عاشقة بين الهواء و الضؤ.