الأربعاء، 30 سبتمبر 2009

قراءة نقدية لمجموعة" الآم ظهرحادة" - بقلم د. لمياء شمت


الجزء الأول

حظيت المجموعة القصصية " الآم ظهر حادة" للقاص السوداني عبد الغني كرم الله,و الصادرة عن المؤسسة العربية للدراسات و النشر- بيروت, حظيت باهتمام نقدي واضح علي المستوى المحلي والعربي.

ورغم أن "الآم ظهر حادة" قد تبدو في ظاهرها كمجموعة نصوص أو ارخبيلات منفصلة, إلا أن القارئ لا يلبث أن يتبين أنها منظومة متكاملة يتحد فيها المضمون, و يشد بينها خيط المغذى والفكرة المركزية الواحدة, التي تتوسل بلغة مشعة بالإلماح و الومضات الدلالية بدرجة تتمثل وهج الشعر و كثافته و انخطافه. فلكل مفردة وزنها المحدد في النص السردي الذي لا يحتمل بطبيعته الزوائد أو التراخي و الاستطراد.

ومن نافلة القول أن لغة السرد تقليديا لم تكد تزد عن كونها حامل ووسيلة مباشرة لتحقيق زوايا المثلث الارسطي,حيث يتنامى الحدث باطراد تجاه ذروته, و ينتهي بلحظة الكشف أو التنوير التي يكتمل بها المضمون و يتحقق بها انطباع مفرد و آثر واحد. و بالتالي , وكما أسلفنا, فان اللغة تستخدم بالأساس كخام تشكل منه الشخصيات و تصاغ منه المواقف و الأحداث.

أما حديثا وبعد أن تحررت النصوص السردية من الفروض الشكلية و العوائق التقليدية, و أوغلت في التجريب ,فقد أصبح كل نص تجربة جديدة و بصمة خاصة في تقنيات السرد و الاجتراحات الفنية و الجمالية, بل والمحمولات النفسية و الوجدانية. وليصبح بالتالي للغة حساسية فائقة في سرد المادة القصصية, بل أنها تصبح أحيانا كثيرة ابرز عناصر المتن السردي. و لعل الكثير من القراءات النقدية قد توقفت مليا عند خاصية الاشتغال الجمالي المركز على النصوص ,مما جعل اللغة تقارب أن تصبح مادة القص و غايته معا. و يبدو ذلك صحيحا إلى حد كبير إذا ما تأملنا لغة مجموعة" الآم ظهر حادة" , التي تبرز فيها سمات عدة, نذكر منها:
* كثافة الإحالات و انفتاحها على احتمالات تأويلية متعددة. و يظهر ذلك في مقدرة الكاتب على استخدام التناص التحتي العميق لأقصى طاقاته الدلالية.
* حضور الرمزية كاستجابة إبداعية و توظيف سعة الرمز و مقدرته على حمل عبء الدلالات المكتنزة بالأفكار و الأسئلة.و يتم ذلك بتركيبة رمزية متوازنة تلوح بالمعنى الموارب و لا تجنح به للإغماض.
* الهجانة اللغوية الطريفة الناتجة عن استلهام المنبع الصوفي و المثلوجي و الفلكلوري الشعبي. حيث يفلح القاص كثيرا في نسج أمشاج الخيالي و الصوفي والفلسفي بأبعادها الرؤيوية لخلق حكايا غرائبية الأجواء, لكنها تبدو في ذات الوقت مألوفة و حميمة,إذ يقودنا فيها القاص بتأمل متمهل إلى طبقة من الرؤية اكثر عمقا , دون أن يوهن ذلك تلقائية السرد, وانسكاب اللغة.
* تخفف اللغة من لزوجة الطلاء الزخرفي و الإطناب البلاغي و الدثارات المجازية المتكلفة. و هنا أيضا يبدع القاص في طرح أفكار و رؤى مختلفة ذات أبعاد تأملية و فلسفية تتفرس في التجربة الإنسانية و ترصدها بدقة, بلغة هادئة أليفة و شديدة العفوية.
* الانفتاح على اليومي و العادي, ببساطة محببة تراهن على الاحتفاظ بالتفاصيل الصغيرة طرية و طازجة و حارة بروح الحياة اليومية التي تبث دفئها في مفاصل الكتابة.
.
*إعلاء البعد التأملي و الفلسفي في بعض النصوص, حيث تستسلم اللغة لغواية الخيال المجنح الممتلئ بطاقة الحلم و الجنوح,الذي يصعد الواقعي إلى مرتبة الغرائبي و الفنتازي, بسلم متداني الدرج يصعد بنا بترفق و تؤدة إلى معارج الخيال.
وفي منحى آخر, نحتاج أولا أن نعود لنؤكد على إن القصة القصيرة فن صعب رغم مظهره الودود, فهو يواجه تحدي اختزال عالم بآسره ليتضام في بضع صفحات معدودة.و لعل ذلك ما جعل هذا الجنس السردي إنجاز تكنيكي بارع ,يحتاج إلى معمار فني محكم و متساوق .
وعلى الرغم من أن الآم ظهر يصعب جدا تصنيفها أدبيا وفق المواضعات السردية المعروفة, كونها عصية على التأطير الشكلي, و غير خاضعة لقوالبه الجاهزة و شروطه المسبقة.فالأحداث مثلا في غالبية نصوص المجموعة تتخلق من فكرة فلسفية أو وجودية ينطلق منها النص ليؤسس نوعا من إعادة النظر في الإنسان و حقيقته. ومن هذه النقطة يراكم القاص الدوائر والخطوط , لينفذ من ثقب صغير إلى نصه الواسع حيث يتنامى السرد دافقا, مزدحما بالأفكار و الأسئلة التي يجهد القاص في أن لا يربك بها مجرى السرد ,الذي يتخذ في معظم النصوص مسارا سرديا دائريا, يبدأ من نقطة ثم يستدير مستعيدا بدايات الأحداث و تحولاتها .و كذلك, من الشائع في مجمل النصوص, أننا نتعرف على الشخصية المحورية من الجملة الأولى, حيث تحضر تلك الشخصية بضمير المتكلم كحيلة فنية يحتفظ بها القاص لنفسه بزمام السرد.و رغم التحفظ على منح صوت السارد سلطة الانفراد بالمساحة الأكبر في مجمل النصوص, إلا أن القاص قد اجتهد في استخدام هذه الذريعة الفنية للانسياب تحت جلد شخصياته و سبر أعماقها وكشف دواخلها و مكنوناتها.و من الملاحظ أن التركيز قد وقع جله على المونولوج الداخلي أو المناجاة, بينما اقتصر الحوار الخارجي على موضعين تقاسما العامية و الفصحى .وقد بدا واضحا أن استخدام الفصحى في الحوار قد قلل من قدرته على التأثير, و بالتالي أفقد الحوار قدرا من مصداقيته. على عكس حضور العامية العبقة برائحة بيئتها و النابضة بروح الحياة اليومية . إضافة إلى دور العامية المقدر في إحكام النسيج القصصي و تماسك بنائه الداخلي , وإسباغ المصداقية على الشخوص و الأحداث.
و يقودنا ذلك تلقائيا إلى بعدي الزمان والمكان, لنلاحظ أن عنصر الزمن يخضع بشكل كبير لمنطق الأقصوصة , تهندسه التقنيات السينمائية مثل الفلاش باك, و القطع و المونتاج لتثبيت اللحظة المعينة لابراز البؤر النصية الحساسة.أما المكان و رغم انه قد يبدو كحيز جغرافي محدود,إلا انه يتسع معنويا ليصبح فلكا شاملا.نحس فيه بحضور المكان الريفي القروي اكثر منه مكان مديني حضري. و رغم تبرم الأدب عموما بصلف المدينة و ضجرها و قيمها الزائفة ومبادئها المعطلة, إلا أن كرم الله يفلح كثيرا في تجنب الوقوع في فخ الثنائيات الضدية, و الصورة الرومانسية الساذجة للتقابل المنمط بين صورة المدينة و القرية.
و على مستوى الشخوص, لا يسعنا إلا أن نقف عند انتباهة الأستاذ صديق محيسى الواعية في رزنامة أستاذ كمال الجزولي,صحيفة الرأي العام, بتاريخ 10/4/2007, حيث يقول( رؤية كرم الله السردية للأشياء و الكائنات تعد تحولا مهما, إذ أننا لا نجد لها شبيها عدا ما ذهب إليه بشرى الفاضل من خلق شخوص موازية للبشر). وكنت قد أشرت في دراسة نقدية سابقة إلى أن سرديات بشرى الفاضل هي بالأساس قصص استبطان و تفلسف اكثر منها قصص أحداث و شخوص. و كرم الله في محاولته الإبحار إلى أفق مغاير يقترب كثيرا من تلك التخوم, و يشاكل العوالم البشروية بفلسفتها الطوباوية التي تحتفي بكل المخلوقات. حيث, و بكلمات الأستاذ محمد الربيع في الوطن القطرية:( يعيد السرد الاعتبار إلى جذوة الأشياء و للتفاصيل و يخرجها من عزلتها في الكون).
فمثلا يذكرنا"حمار الواعظ" بحمار آخر في مجموعة بشرى الفاضل "ازرق اليمامة" , يقاسمه التظلم من جحود الإنسان و قسوته, فيكون انتحاره غرقا بمثابة احتجاج جهير ضد رهق العالم.
و كل هذا لا يتقاطع مع حقيقة أن كرم الله قد تمكن باقتدار , و من تجربته الأولى, أن يرسخ فرادته كقاص استطاع ابتداع أسلوبه و حكائيته الخاصة الشغوفة باكتناه السؤال الكوني الأبدي. و قبل الانتقال إلى محور آخر, لابد لي أن اقف مليا عند الدمج الخلاق بين الواقعي و الخيالي و الفلسفي في نص " رائحة الطمي" , حيث الجدة في أن الأحداث و المواقف ترسمها الرائحة.حيث تحلق بنا تلك الحاسة في فضاء تخيلي واسع. ما يستدعي للذهن رواية "العطر", للألماني باتريك زوسكند و التي تحلل الطبيعة البشرية عبر بصمات الروائح.
و لنجمع خيوط ما ذهبنا إليه, يمكننا القول بان الحبكة رغم كونها قد تبدو رخوة, حسب المواضعات السردية, و أن الشخوص وفق ملاحظة حامد بخيت الشريف في السوداني "غالبا ما تتوقف عن التطور لمصلحة السرد", إلا أن القاص قد عمل على تعويض عن ذلك بعنايته الجمة بالتفاصيل, و دقة و براعة الوصف, و الخيال الطفولي المدهش الذي لا يرضى بأقل من أن يتلمس الأشياء و يتذوقها و يتشممها, بل و يفككها و يعيد تركيبها كما يشاء.ليمنح كائناته وجودا مبتكرا و حضورا أليفا , تبدو معه منخرطة في واقعها ,مستوية في مصائرها بادق تفاصيل الوصف والتصوير.و لابد لنا أن نقف هنا على رأي بشرى الفاضل في عموده تضاريس بتاريخ13/1/07
(ميزة كرم الله الأساسية تكمن في هذه العدسة المكبرة في مخيلته , التي تقترب من الكائنات و الأشياء راصدة لها بدقة متناهية).
و نعود مرة أخرى إلى إشكالية تصنيف الآم ظهر يعيننا رأي أستاذنا فضيلي جماع في الصحافة بتاريخ 1/8 عن لعبة التجريب السردية حيث تبدو نصوص كرم الله( اقرب إلى الخواطر وتداعيات الكتابة في لحظة تحرر من قيود الشكل و النمط).
ويستدرجنا ذلك لالقاء الضؤ على بعض المحمولات الفكرية و الفلسفية التي تشع و تتلامح بين ثنايا النصوص. و لعل أبرزها النفس الصوفي الذي يفعم أجواء النصوص بعبقه الخاص. و الفلسفة المتعالية(الترانسيندتالية) بثقلها الفكري كرؤية رومانسية طوباوية للعالم تمجد كرامة و حرمة الكائنات و حقها في الحياة. و تشمئز من السجن المادي و المعنوي الذي يرزح فيه الإنسان. فنحس و نحن نطالع النصوص بروح امرسون بميوله الروحية العميقة.و بمعاناة ثورو الذي اعتزل عالم اللهاث المادي , ليعيش مع المخلوقات الصديقة في كنف الطبيعة, في قلب الغابة في خلوة تأملية دامت لسنوات.و بحس والت وايتمان الذي اجمع نقاده على انه يتحد مع كل شئ, و لا يكف عن معانقة الاحياء و الموجودات من حوله. وبحضور استيفانز بإبداعه الرؤيوي و مقولته الرصينة: ( عليك أن تتمتع بطاقات غير عادية لتتمكن من رؤية العادي).و لا يسعني أن اختتم دون المرور بموباسان و رسالته الخطيرة لصديقه موريس فوكير بتاريخ 17 يوليو 1885 ,حيث يقول (إن الكاتب الذي يبهرني حقا هو من يحدثني عن حصاة أو جذع أو فأر أو مقعد قديم ). و ختاما فان الآم ظهر حادة قد قالت كلمتها, و أسلفت لنا يدها إبداعها,في محاولة للقبض على جوهر الرؤية الكلية النافذة, و طرح الرؤى و الأفكار, و التحليل و التفلسف, بمخيلة حكائية خصبة, و بأسلوبية مطمئنة,على صهوة لغة استطاعت أن تحافظ, عبر النصوص, على طاقة انسها و جماليتها و عفويتها وانسيابية دفقها.

هناك 3 تعليقات:

  1. ممتاز
    http://jeddahrealestate.prokr.com/
    http://jeddahrealestate.prokr.com/apartments-for-rent/
    http://jeddahrealestate.prokr.com/apartments-for-sale/

    ردحذف
  2. السلوقي (أنا تتضمن شرحا، شركة نقل اثاث بجدة وأعطي أعلى مستوى ممكن اقتبس السلوقي ...
    تحسب من الشرق إلى الغرب شركة نقل عفش بجدة الساحل والحجم والوزن)، وuship.com

    ردحذف
  3. تتوفر لدينا خدمات النقل والتعبئة والتغليف 7 أيام في الأسبوع بما في ذلك أيام السبت والأحد مع خدمات شركة تصميم مواقع فى السعودية
    جمع اليوم التالي المتاحة لتلك اللحظات "أخرجني من هنا الآن"! أينما كنت في المملكة المتحدة لدينا غطت لك بأمان.

    لدينا محطات نقل المتاع الدولي في جميع أنحاء المملكة المتحدة بما في ذلك لندن وبريستول وبرمنجهام افضل شركة تصميم مواقع بالرياض
    ومانشستر وليدز وليفربول وغلاسكو. ونحن نقدم أيضا مجموعات اليومية من ساوث ويلز بما في ذلك سوانسي، كارديف ونيوبورت.

    باعتبارها واحدة من أكبر الشركات تتحرك الدولية في المملكة المتحدة ونحن نقدم إبحارات الأسبوعية افضل شركة تصميم مواقع الكترونية
    إلى أكثر من 144 دولة من بينها أستراليا ونيوزيلندا والولايات المتحدة وجنوب أفريقيا وكندا وmore.1st
    نقل الشركة الدولية للنقل. شحن ذكي لأسرع وأكثر أمانا، نقل أذكى.

    الحصول على إزالة دولية مجانية اقتبس هنا، اطلب لنا سؤال أو ببساطة الاتصال بنا مجانا لمزيد من
    التفاصيل عن الأسعار وservces العظيمة.افضل شركة تسويق الكتروني بالسعودية



    إزالة الأثاث موثوقة في مانشستر
    افضل شركة تسويق الكتروني بالرياض
    إزالة الأثاث موثوقة

    ردحذف