الأربعاء، 30 سبتمبر 2009

الآم ظهر حادة -وأستعادة المخلوقات من أطمار الإهمال و النسيان و العزلة- بقلم د. لمياء شمت

نبدأ من غلاف المجموعة حيث تمكن كرم الله من قطف متعتين برمية واحدة, إذ يتزين الغلاف بلوحة لبول غوغان تنتمي إلى المرحلة الواقعية التاهيتية, وهي لمليحة سمراء تحت ظلال جذوع المانجو الباذخة, حيث الإبداع الغوغاني الفذ و السمرة والأجواء الاستوائية وثيقة الصلة بعوالم " الآم ظهر". اما على أعتاب النصوص السردية فمن اللافت أن العناوين تعقبها دائما تصديرات تحضر كمفاتيح دلالية و كتلويح استهلالي يضيء النصوص و يعين على مقاربة معانيها و ملامسة روحها.

و كما أسلفت في دراسة سابقة فان "الآم ظهر حادة"هي اقرب ما تكون إلى سرد جواني يهتم بالمشاعر و الوجدانات و العمق النفسي, اكثر منه حبكة وأحداث و منعطفات سردية و شبكات علاقات. فالقاص لا يكاد يكف عن التوحد مع المخلوقات متجاوزا ظاهرها إلى جوهرها, و منحازا لضعفها و جاهدا لاستعادتها من أطمار الإهمال و النسيان و العزلة, بنزوع ملح لتحويل الهامش إلى متن بطاقة إشارية خلاقة.

و تماما كما أن شاعر فرنسي كان قد تمنى لقصائده معان بعدد قرائها, فان هذه الورقة المختصرة لا تعدو أن تكون مجرد محاولة للقراءة.

الآم ظهر حادة

"الآم ظهر حادة ", وهي أول و أطول قصص المجموعة.والنص ذو مسار سردي أفقي يمتد خطيا بين أحداث شتى. و صوته السردي يمثله حذاء رجالي, يتقلب بين أرجل البشر ذوي النوازع المتناقضة, فيحتله جاثوم الكآبة و هو يسعى بين أقذار الحفر والبرك, وصهد الشمس ,و عفن الرطوبة. لكنه لا يكف في محنته عن مراقبة الكائن الآدمي السادر في غيه, و المنفلت تماما عن عقاله , وهو يهدر في عبثه الضار الحيوات من حوله دون أن تهتز له جارحة.فيتفجع الحذاء -المفعول به- الذي لا يكاد يملك من أمره شئ تنتعله و تقوده الأرجل الخواء, " قتلت برعم شجرة صغير, قد يملأ عبيره الشارع غدا, و يصبح شجرة ضخمة تصبح مأوى للعجزة و الشحادين". و مرة بعد مرة تتكرر المأساة ," ثم سرنا لينحرف فجأة فيدوس صرصورا هائما, كان سعيدا هو متجه لجحره حاملا على رأسه قوت أسبوع لعياله" ,و نرى النملة المدهوسة بالحذاء وهي تحتضر, " ثم خطا نحو موقف أبو جنزير, فاختلط جثمان النملة بقطعة ثلج ملقاة, فانتعشت روحها المظلومة في أول درج البرزخ".و يظل الحذاء يراقب البشر بروح أسيفة وبعين تحليلية نافذة و حس فلسفي مرهق بحزنه النبيل عبر أسئلة كاشفة تضئ دلالة النص و مغذاه " لم تقم الحياة على الصراع,على قهر كائن لكائن؟!" ,ليقودنا ذلك إلى لحظة الكشف النصية حيث الإنسان ليس إلا حذاء اكبر تمتطيه و تنتعله من القسريات و الاكراهات و الانكسارات ما ليس له به قبل.

و من اللافت في هذا النص السردي استخدام عنصري الزمان و المكان كوسيلة للإفضاء بالرؤى و الأفكار وعكس الخلفيات النفسية و الشعورية. فعلى سبيل المثال يجنح النص إلى قتامة السياق الميلودرامي و خفوت الايقاع لتصوير حالة العجز و المرض للجسد المنهك و الروح المبتلية بالسقم كصورة للارتكاس و الهزيمة. بينما يميل للمرح و الخفة بتسخير الوصف البارع ( كانت الأرجل تسير بوداعة و بطء, و كأن المشي غاية في ذاته, لم تكن تمشي, بل كانت تعزف على طبل الأرض إيقاعا دافئا و كأنه طرق مطر خفيف على مظلة موسيقي مسن). و كذلك مما يجدر ملاحظته توظيف طاقة الرمز لخلق نص متماور متعدد السطوح, و من ذلك استخدام تيمة ( الوتد) بكل طبقاتها الدلالية, و ظلالها و توتراتها في وعي القارئ, ليؤسس بذلك نص متماسك وذكي, قادر على طرح اعقد الرؤى ببساطة و روية.


كلبة فاطمة

و في هذا النص يكثف القاص الرؤية و يصوبها مرة أخرى تجاه الإنسان الذي يحتاج بشدة لأن تنزع قشرته الصلبة, لتسقط أقنعته فيكاشف جوهره و يستشرف حقيقته .و السارد مدثر التلميذ اليافع بمدرسة قروية, تمثل سجن ذريء تقمع فيه الطفولة و روح الاكتشاف على يد سلطة سادرة, يمثلها الناظر المترصن القاسي, الذي تأتي كلبة صغيرة عجفاء لتعريه من دثاراته و أقنعته الكاذبة.

و قد برع القاص في خلق خصوصية للإحداث و تثبيت حضور الشخصيات بحكي سلس يمتد عبر مسار أفقي صاعد ذو تزامن خاص, ترفده تقنيات التصوير السريع و الوصف الحركي غير السكوني, مما جعل للنص مناخا شديد الدينامية.و مما يميز النص كذلك تقنية المونتاج الزمني لتثبيت اللحظة و تحويلها إلى صورة فوتوغرافية, تقتنص اللحظة و تسرمدها_ كما في مشهد السوق- و كذلك الوصف الطبوغرافي للمدرسة الذي يعطي اقتراحات للنظر من زوايا مختلفة,كأن يستشرف المنظر من عل .
و يأتي هذا النص كواحد من النصوص التي تمثل فيها عين السارد أداة مهمة للقص , عبر مراقبتها الدقيقة لتطورات الأحداث و تحولاتها.لنرى عبرها تلك اللحظة النصية المفصلية التي تطارد فيها الكلبة النحيلة ناظر المدرسة مرهوب الجانب, في و صف كاريكاتوري تظهر فيه العناية الجمة بالتفاصيل التي تمتح من خيال طفولي طري يمثله صوت مدثر الذي يتصور أن الناظر الهلوع سيركض مؤكدا كروية الأرض,عبر سرد طريف لا يآنف القاص فيه أن يعرج بنا من درج التفلسف و الاستبطان إلى براح التفكه الساخر و الكوميديا الباعثة على الضحك ,"-تسلق جبال الانديز, فذابت من أنفاسه ثلوج القمة, فسالت فائرة في حقول البن, فملأ الفقراء البراميل و الكبابي من فيضانات القهوة الحارة,و لعن أصحاب مزارع البن ثقب الأوزون".
و في نهاية النص تكسر توقعات القارئ تماما, فالناظر لا يحنق في دخيلته على الكلبة التي عرته على الملأ, بل يحمد لها أنها قادته لخلاصه- "فقد سقطت من ظهره ملايين الأقنعة و الهموم و المظاهر الكاذبة التي كان يتصنعها لمجاراة رأي عام صارم و متحجر".

حمار الواعظ

و يتناول النص موضوعا يحتل موقعا حساسا في إطار يقع بين الدين كقيمة عليا و الوعظ المجاني الذي قد يتحول أحيانا إلى مجرد وظيفة و تقاليد شكلانية خالصة لا تمس الجوهر. و من فوره يستدعى النص للذاكرة رائعة غراهام غرين(السلطة و المجد) التي عرض فيها نموذج الكاهن الفاسد الذي يمثل رجل الدين السيئ الذي يشوه ,غير عابئ, وجه دين متسامح و طيب.و الفكرة أيضا وثيقة الصلة بما تناوله هوجو في (أحدب نوتردام). غير ان كرم الله يقدم الصورة هنا بأبعاد أخرى للواعظ المحروس بأكاذيبه, ووعظه التلقيني الخطابي المفلس , الذي يكشف شبقه و جوعه للسلطة و التحكم في مصائر مستضعفي القرى و النجوع الصغيرة.
و السارد هو حمار الواعظ الذي يشفق على أذنيه " من تقريع الخطب الجوفاء, و التي تخلو من أي حدس أو ذوق", والاهم أن الخطب تلك لا تشكل أي وازع للواعظ الذي لا يرعى جوارحه, فيتلصص مختلسا النظر لمفاتن الفتيات الصغيرات, و تنطلق حنجرته في خلوته بأغان سمجة رديئة ظل يحرمها على فتيات الحي , بل و يصب جام ظلمه و استبداده و قسوته على كافة المخلوقات حتى النباتات, دون أن يستثني من ذلك حماره الصبور , الذي يهلكه الضرب و التجويع و صهد الشمس فيتعزى بأن "سيأتي يوم, تشهد كل الأشياء بما جرى لها, وستصطف معي طوابير من المظلومين الذين سحقهم الواعظ بغير ذنب, .... طوابير من الحشرات و النمل و القمل و القطط و النباتات و الجراد و أوراق الشجر و الذباب و العقارب".
و عبر توظيف مقتدر لتقنية المونولوج الداخلي, يتمكن القاص من الإمساك بالعصب المحوري للأحداث, ليصور بدقة سقطات العقل السلطوي المستقيل. ليذكرنا إدراك الحمار العميق للواقع من حوله و حلمه العزيز بالخلاص العظيم بمزرعة الحيوان لجورج اورويل,حيث تناضل الحيوانات لتطيح بالسلطة البشرية الغاشمة, و تصوغ معا نشيد ثورتها الرسمي:

ستزول الحلقات من أنوفنا ** سنرمي بالسروج من ظهورنا
وستصدأ المهاميز و الشكائم للأبد** لن تلسعنا قط السياط القاسية


رائحةا لطمي

وهو نص ذو سرد غرائبي يتميز بغلبة الفضاء الشعري على المونولوج الداخلي ,فينثال متخففا من الخضوع التقني و الأسلوبي. و السارد روح أثيرية شفيفة تسافر على سفينة الريح.وتعلو رائحة الطمي على كل رائحة بأنها لا تسافر فقط عبر الريح, و لكنها أيضا تخترق حجاب الأجساد و الجسوم لتنفذ إلى الأرواح و السرائر فتنفض عنها سخام الأسى والهموم "بدت الرئة و كأنها جدار فرن أسود, غسلت بسرعة البرق هذا الروث الروحي و أخرجته مع الزفير, ثم أخذت أتسلل عبر دمه إلى العين ووجدتها حزينة موجعة فغسلتها من شوك المناظر الفاسدة" . و النص مكتوب بحساسية خاصة و بلغة تقترب كثيرا من تخوم التجريد, مستدعيا للذهن أجواء كتابات أمريكا اللاتينية, حيث المزج الخلاق بين الواقعي و المتخيل و تداعيات اللاوعي و تراسل مدركات الحواس بنكهة كاريبية تخرج النص من طقسه الأسطوري إلى أفق الحياة اليومية.


الجزار ملك الغابة

أما السارد هنا فمعزة بروح و غيرية أم حنون ترعى السعدة على أطراف النهر بفرح غامر, لتدرها لبن سائغ لصغار الآدميين بنبل عظيم ,و ترفع رأسها مطالبة بحقها في الحياة و اعتراف الإنسان بحرمة الذوات الأخرى,و تمضي مستبشعة للبؤس و الادقاع الروحي و القسوة الآدمية,تحلم بالخلاص, تماما كحمار الواعظ , " تمنيت أن يهبني الله جناحا مرفرفا فأهرب للسكن في السماء مع الملائكة....طوبى للأغنام التي ترعى هناك , فلا يكدر صفوها ساطور أو سكين" . و عبر مراقبة المعزة للأحداث نستطيع أن نتعرف على شبكة العلاقات, و الخلفيات الاجتماعية و الظروف الحياتية لأسرة سعاد, الأنثى الكسيرة التي ترزح تحت وطأة الفقر و الحاجة.فلا تجد إلا أن تنذر معزتها لسكين الجزار لقاء حفنة مال يسبل عليها الستر و يطعم أفواه صغيرة جائعة.
و باستخدام تقنية التركيب و المونتاج يتمكن القاص من ربط وقائع مختلفة و دمجها في إطار زمني واحد بإبطاء الزمن السردي أحيانا لتسخيره كمرآة لواقع حالك, تقيم فيه المعزة مقارنة فاقعة مخزية بين بشاعات البشر ووحشيتهم, وبين إنسانية السوام " التي لا تسرف و لا تتكبر ولا تكذب ولا تتزيا بغير جلودها". ليسطع أخيرا المغذي الذي ظل مبثوثا في سماء السرد عبر النصوص, وبخلاصة مطابقة لما أدركه الحذاء في النص الأول, تيقن المعزة بأن البشر ليسوا بأقل ضعفا وعبودية منها , فهم أيضا ذوات مسترقة و مكبلة بعشرات الحبال و الأوتاد.

استدراج الفراشة لعرشها المجيد

وهو نص استفزازي من طراز رفيع لا يكتفي فيه القاص بان يلغز و يرمز و يؤمي, بل ينزع الغطاء مباشرة عن موضوعه باحتدام زاعق يآنف التعمية على جذريته الحاسمة.
و تسلط بؤرة الضؤ على الأنثى في متاهات القسوة الذكورية. لنرى بائعة الشاي التي تتعرض لهجمات معنوية عنيفة تجاه إنسانيتها و انثويتها, حتى ليصبح العنف المادي من ركل و سحل و امحاء هو عين الرحمة " و لقد قام الجنود بدورهم بأكمل وجه, فبأحذيتهم الضخمة كسروا في لمح البصر كل ممتلكاتها من الكبابي و الفناجين, أما الضابط, رجل المهمات الصعبة, فقد رفس بكل ما يملك من قسوة, الكانون في وجهها, فتوضأت أقدامها المتعبة بماء حار كان على مشارف أن يكون شايا أو قهوة".
و النص يفور بالأسئلة الواخزة الكاشفة التي ترفع الغطاء عن المطمور في الصمت و الانكار,حيث يتخلى القاص عن حذره في المقاربة كما أسلفنا و يطرق الموضوع مباشرة, ليفكك العنف و يفضحه و يفرغه من مبرراته, محتالا, في بعض الأحيان على سلطة التابو بانتخاب مفردات ذات طاقة دلالية و إشارية عالية "أما الضابط...فقد ركلها في رحمها, مصدر رزقها المبارك, فتكسرت أضلع و أرفف دكانها الوحيد".
و بدقة متناهية في الوصف و اعتناء جم بالجزيئات نرى الأنثى وهي تجر إلى وئدة مصير قاتم ترسمه النزوات السلطوية و الرغبات الذكورية المريضة, لتتقلب( المهيضة) بين أنياب القسوة و القهر, حتى تدركها نعمة الذهول و الحتوف الرحيمة.

الدجاجة أقوى من الأسد

وهو نص يتوغل بكامله في حقول مقولة برنارد شو " هل الإبداع إلا استدعاء متعمد للطفولة !! "
و يفلح القاص هنا في تمرير لحظات عميقة الرهافة,عبر سرد جواني البعد, يرفده خيال غض معجون بالطفولة, حتى لنحس بان هناك اكثر من خيط يمتد بين النص و بين واقع ما لمبدعه.حيث تتحرك الذاكرة صوب جذورها باستخدام آلية الاستعادة في إطار تذكر تحليلي نفسي وجداني يمثل صعودا إلى سطح الوعي ليتوج الطفولة كمحطة هامة ساهمت في تغذية وعي القاص و تكريسه كاتبا .

و يرتكز هيكل النص على تحليل الأفكار و الاتجاهات للكشف عن الأعماق النفسية والانعكاسات في وعي الطفولة ووجدانها و عرصات رؤاها, بلغة عفوية متوهجة بانفعالها الخاص, ترد الحياة إلى عريها الأول بلا أقنعة و لا دثارات أو أحكام مسبقة, حيث يبلور القاص رؤيته باستخدام مقتدر لآليات التذكر و الاستدعاء و الاسترجاع التي تمتد لتصف الفيض السمعي لنقاط الماء الساقطة من قعر الزير "إنها اضال أمطار في الكون, و بنقطة يتيمة طوال اليوم بلا رعد أو برق أو ملل, سوى ذلك الدوي الحنون, و الذي يثير في الدار الساكنة غموض كنه الوقت" .

جزيرة النمل

يمتد خيال القاص الذي يتفقد الموجودات من حوله بعناية جمة,سواء كان ذلك حذاء فاغر أو بصلة مطعونة أو حصاة منسية على قارعة الطريق بمتخيل مفتوح على إمكانيات تأويلية متعددة,ليطرح عبر هذا النص ,حيث تتزاحم الأسئلة الوجودية المقلقة على ضفاف الروح, فكرة الوحشة العميقة في وجود معضل.و السارد حصاة رهيفة حانية تلوم ذاتها " ذلك لأنني أدميت في حياتي وجه طفل يتيم, ورأس عشة المجنونة, حين قذفني الأشقياء نحوهما,بلا حول مني و لا قوة, فأيدي بني آدم هي التي ترسم مصيري " لتجعلنا ندرك من فورنا المقارنة الواخزة بين حجر إنسان و إنسان حجر, مستدعية المقابلة القرآنية بين القلوب الصم و الحجارة المتشققة لينا و رحمة. و لكأن صوت المعري المتعثر في وحشته الوجودية يمس روح النص:

ما منهم بر و لا ناسك إلا إلى نفع اليه يجذب
افضل من أفضلهم صخرة لا تظلم الناس و لا تكذب

حواس مغبرة

وباستخدام الرمز القابل لامتصاص الدلالة نتعرف هنا على الكلب فوجي الخائف الوجل حتى من انعكاس ظله على الماء, في مقاربة هادئة عميقة لروح مدثر اليافع المستعبد للآخرين بإشفاقه الجم من اهتزاز صورته في مرآتهم. مما يجعله يكاد يقارب مأساة مبدع لوحة الغلاف بول غوغان و هو ينعي هوانه و قلة حيلته ووجله من أحكام الآخر بمقولته الشهيرة التي أطلقها في أقاصي البحار الجنوبية في جزيرة دومنيكيا النائية ( انتظر هنا كفأر في برميل في وسط المحيط).

اجمل سباق

وهو نص قصير مسكوب بأقل قدر من الكلمات و اكبر قدر من الحساسية التي تجسد الطفولة الحرة المنطلقة إلى معانقة الحياة و تفقدها بعين عذراء دهشة تنفض الغبار عن المدفون تحت سطح المألوف. و بخلق فضاء حميمي خاص يستطيع القاص أن يحول النص من مجرد إطلالة على مشهد عابر لأم و طفل على الطريق, إلى لوحة صغيرة يضع لمساته بحنو عظيم على كل رقعة فيها, مما يعين على الإحساس بمبلغ العناية والبراعة التي يتفحص بها القاص أدق التفاصيل سبيلا للولوج للداخل.
"أمه لا تعير اهتماما للأشياء النفيسة التي تسبي عينيه الشاعرتين,انه مشغول بنفائس الأرض و كنوزها, حشائش و حشيرات و حصى و يرقات...غارق حتى أذنيه في انثيال الحياة أمامه".

توبيخ الحبيب

تماما كما يؤمن الناقد الفرنسي المثير للجدل راسكين بان الإبداع هو ذاك الذي يضع الروح أمام حشد من الأفكار الرفيعة التي توقظ الشعور بالعلو و التساوق و الصفاء فان سارد هذا النص و هو كتاب مهجور يتوسل لقارئه أن يلج عبره إلى عوالم بكر و فراديس متاحة و متع دانية.
كإشارة إلى طقوس القراءة كفعل إدراكي مقدس من جهة و التلقي الواعي كحبل للنجاة من جب اللاحياة " ها أنت ملك نفسك, متوجا في كينونة الزمان و المكان الداخلي, سابرا أعماقك, منصرفا عن شروخ الأفاق, تصحو بفعلي في دواخلك أبخرة مقدسة, تحوم بداخلك برقصات مخمورة و ملونة و مضيئة بالإشراق و البهاء و الارتعاش المبارك".

رقص على طبول النسيم

و باتجاه سردي وصفي غالب على طبيعة السرد , ترخي الأسلوبية الشعرية سدولها على فضاء النص, حيث يواجه السارد مشهد تصاعد الدخان المتراقص من عود بخور بعين متأملة نافذة على نحو يخرج الأشياء من مألوفها و يغلفها بالغموض والسحر " وحين استسلم البخور كليا, أطلق النسيم عنان جنونه المكبوت,عنان خيلائه بذاته, تلاعب بجسد البخور مظهرا قدرته المذهلة على الرسم و النحت و التصميم البكر, ممسكا عصاه في قيادة أوركسترا الليونة المطلقة, جوقة من السحر و المجون و الدهش". لينفرد النص بان القاص يذهب فيه للسرد بشروط الشاعر الذي يسمح لكائنه اللغوي بالتحليق الطليق في سماء النص, بشلال من الكلمات ينهمر راعشا تماما كضربات فرشاة تشكيلي يبحث عن جسر ما يصل المرئي باللامرئي.أو كما هو والت وايتمان في مفازاته المخاتلة ينشد : لحظة من عذوبة صوفية, ملامسة شيء لامرئيمكيدة عاشقة بين الهواء و الضؤ.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق