الثلاثاء، 13 أكتوبر 2009

تعارف


تعارف، بل مجرد تعارف بسيط،

وهل تعرف النفس، "نفسها"، حتى تعرفها للناس؟..

ولكنها "العادة".. ففي برق كل خاطرة، يرف معنى جديد، عنك، وعن البيئة حولك، فأنى لي بالتعريف، في بيداء صيرورة لا تكف عن الصيرورة، ولكنه المجاز!.

ود حاجة بنت المنى، بت العوض عدلان، عملت في طفولتي (طالبا، ومزاعا، وراعي) وكنت غير مرغوب في حصة الدين، كثير الاسئلة عن "الله"، أما في حصة الجغرافيا، كنت التلميذ المدلل بحق، فكل الخرائط التي كانت تزين جدار سنة خامسة، (للسودان، والهلال الخصيب، والعالم)، كانت بأناملي الصغيرة... وخريطة (نهر النيل، من المنبع إلى المصب)، الملعقة فوق السبورة، كنت اسبوع كامل ارسم فيها، وعلى ضوء فانوس، ومحني على الارض (لا طربيزة، بل على تبركوة ابي، كنت ارسم)، (الجنى ده راكع ليهو ساعتين، قوم أملأ الابريق للعشا)، هكذا رآني خالي دفع الله، في عتمة الليل، وانا ارسم الخريطة، وللحق، (النيل يستحق السجود، والركوع، والافتتان)!!، توفي أبي مبكرا، فتوثقت علاقتي بالغيب، كان أبي هناك، وأمي هنا، فأي سعد هذا...

كنت متكاسلا، كي أمضي للبرميل في ركن الدار الوسيعة، كي أملا الأبريق لخالي، غرفت له من النيل المرسوم تحتي، حتى تبلل كمي، وصدري.

وفي (الثانوي العام)، كنا نحمل الطوب، في بناء دار (سعد، وجلي، أثرى اثرياء القرية)، كي نشتري مع ابن اختي "جماع" (الالغاز، واجاثا كريستي، ويوسف السباعي)...والبلح واللالوب، والنبق...

(ياجنى الموية الباردة دي من وين، انت مليت الابريق من الزير) هكذا صاح خالي، وهو جالس طرف العنقريب، يتوضأ بمهمل،

في الخرطوم القديمة، كنت احضر حصة، واغيب ثلاثة حصص، كي اتسكع في جامعة الخرطوم، ومكتباتها، وشارع النيل، ومستشفى العيون، (كان أعز اصدقائي طالب مسيحي)، وكان استاذ التربية الدينة يتصور بأني مسيحي، شكلي القمحي، قد يوحي بهذا، (كنت أحب سارتر، وطبعا المسيح)، ولاشك عبدالقادر الجيلاني، وغوثيته، التي يدندن فيها (لم أظهر في شئ كظهوري في الإنسان)، لاني كنت مؤمن بالإنسان، وبقدراته، وبسره، حدسي يقول ذلك..

(فوجئت أثناء الرسم، بدم يتسلل من الأعماق، ويغطي صحفة النهر)

أمتع لحظاتي حين اشاهد أخي الكبير وهو يرسم، تحت ظل الصالون الكبير، وأخي الاصغر منه وهو يكتب، أو ينحت، وحنان امي العظيم، لا يفارق أرنبه أنفي، أرنبة حروفي، تجاه كل الكون، كل الوجود، كل الأشياء، بلا فرز... حتى تصورت الإله أم عظيمة، مطلقة الحنان والجمال والكمال، تحب كل ابنائها، بلا فرز، و(القرد عند أمو غزال)، فانتفى التميز بين المخلوقات، على مستوى حنان أمي، والذي أسقطته على الإله في سمائه العظيمة، وهو كما كان (عصى الفهم، عصى التفسير)...

الأب من جهة السافل، بسيط، سافر مبكرا، ملاك الموت وهو مضيا معا، نحو ضفة النيل الشرقية، للنيل الأزرق، الذي يسقي يهود الحبش، ومتصوفة ابوحراز، ومسيحي سوبا القديمة، بحياد، وطيبة أصيلة، لا أدري متى وصل لهذا الحياد النبيل، وحرر نفسه من فتنة العصبية الغريزية، لهذا وذاك، لقد عمر كثيرا، بلى، النيل عاش طويلا، وأختمرت بأعماقه الرؤى والأفكار، وأتخذ السلوك النبيل، حياد مبارك، جعله يتفرج بمتعة، لا تسوسها الانانية، اللذجة.. أغبطه كثيرا....

الام شرق النيل، "ألم يدفن ابي قربها"، من العسيلات، صعيد السافل، سافرت له مطلع هذا العام، ياله من لقاء خفي، تم بينهما دون علمي.. ياله من لقاء بعد غيبة طويلة..

الاخوة، بين رسام،ومعلم، وشاعر، وما أكثر فشلهم... إسرة فاشلة بحق، في جمع القروش، والقوت، ولكن عشنا، طفولة عجيبة، ومسرات القراءة،والرسم، والنحت... بلى..

أما موطن الروح، فقد صور جز منه ابن العربي (رأى البرق شرقيا، فحن للشرق، ولو راه غربيا للحن للغرب، بأن الذي تهواه بين ضلوعكم، تقلبه الأنفاس جنبا، إلى جنب)،

هل قلت لكم، بأن الدم ملأ كمي أيضا، ي حين كنت أرسم في نهر النيل تحتي، فغرست يدي، ورفعت سمكة تتلوى من سن السنارة ، نزعتها، ورميت السنارة بعيدا، وبرفق وضعت السمكة في صفحة النهر، وهي تمد فمها، كطويلا، أمامها، مثل طفلة مقبلة على القبلة الأولى، (نهري مسالما، لا يغرق حتى الحصى)

كنت اشم رائحة الطمي تتسلل من الألوان التي تلطخ كفي الصغير؟..

وأغرق في تنشق رائحة النهر، جلود كل من تحمم فيه، أو توضأ، أو غرق، يالروعه الشم، روائح أجساد مسكونة بأوراح يهودية، ومسحية،وصوفية، وسرب آخر، من الظنون بالدنيا، وتلقباتها، وغموضها...

هناك تعليق واحد:

  1. عبد الغني كرم الله كان آخر لقاء لي به في الزمان "الربيعية" المكان "أبو غريب " كلية الزراعة والبيطرة كان أسبوع لم تفارق مخيلتي أحداثة لحظة ... وقد حدثتني نفسي بشئ تجاةذلك الشاب النحيل ذو الشعر السبيبي ،،، فقد ربطتني إلفة وشدني إلية سر غامض لم أكن أدري ما كنهه ...

    ردحذف